محمد أبو زهرة

297

المعجزة الكبرى القرآن

فكانت واقعة أهل الكهف ، وظهورهم بعد ثلاثمائة سنة وتسع ، وهي وقت الانحراف المسيحي في الاعتقاد دليلا قويا على بطلانه ، وعلى بطلان الأساس الذي قام عليه ، وهو مذهب الأفلاطونية الحديثة الذي يقوم على أن الموجودات علة لمعلول ، وليست من خالق مريد قادر . 173 - أطنبنا بعض الإطناب في ذكر الخوارق التي هي بعض ما جاء في القرآن الكريم ، وذلك لأمرين : أولهما - أن التوحيد الذي هو لب العقيدة الإسلامية ، بل هو اللب في كل الأديان السماوية يقوم على أوصاف ثلاثة : الأول هو : وحدة الخالق في إنشاء الكون ، ووحدانيته في ذاته ، فهو منزه عن المماثلة للحوادث ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، ووحدة المعبود ، وهو اللّه سبحانه وتعالى . الثاني : أن اللّه تعالى مريد مختار فعال لما يريد ، وأنه أنشأ كل ما في الوجود بإرادته وقدرته ولم ينشأ عنه نشوء المعلول عن علته . الثالث : ثبوت الرسالة الإلهية للمصطفين من خلقه ولا تثبت الرسالة إلا بأمره . الأمر الثاني : الذي من أجله أفضنا في ذكر بعض الخوارق ، ولم نضن على القرطاس فيه ، أن بعض الذين يجعلون أمور الدين خاضعة للتجارب ويحسبون أنهم يخدمون القرآن ، يدعون أن رسالة محمد قامت على العقل ، ولم تقم على الخوارق ، وأن القرآن الذي هو حجة محمد الكبرى خاطب العقول ، ولم يخاطب بالخوارق ، وجرت عباراتهم بما يفيد أن الإسلام لا يعرف الخوارق ، إلى درجة أن بعض علماء اللاهوت المسيحي سألنا : هل القرآن يعارض الخوارق والمعجزات ، فأجبنا سؤالهم بأن القرآن سجل معجزات الأنبياء ، وها نحن أولاء نبين بعض ما في هذا السجل الخالد . البعث واليوم الآخر 174 - إن العالم يتنازع فيه الخير والشر ، والشر ربما يتغلب على الخير ، وفي الناس الأخيار والأشرار ، وقد يغلب أهل الشر على أهل الخير ، وعدل اللّه يوجب أن تكون العاقبة للأخيار ، وأن تكون للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، واللّه سبحانه جعل الخير والشر لحكمة أرادها ليبتلى الإنسان إما شاكرا وإما كفورا ، ولم يخلق الإنسان عبثا ، ولم يجعله سدى ، بل إنه مسؤول عن فعله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وإن ذلك يقتضى ألا تكون هذه الحياة الدنيا وحدها ، بل لا بد من حياة أخرى تكون للأخيار الذين لم ينتصر خيرهم في هذه الحياة . ولا تكون للأشرار الذين غلبوا الأخيار ظلما واعتدوا وفتنوا الناس في أمورهم .